
يوسف وهبي
أَينتمي اللبناني إلى وطن أم إلى طائفة؟
تأمّل الكيان الذي يُدعى «لبنان»، يدفعك إلى مراجعة تاريخية تساعد على فهم أنه ليس وطناً متجانساً بالمعنى الكلاسيكي، بل هو أشبه بفسيفساء تتألّف من كيانات، اجتمعت لتشكّل «شبه وطن»، تندر بينها المشتركات الأصيلة. أمّا ما يجمعها ظاهريّاً اليوم فهو مُستحدثات طارئة فحسب؛ قد يجمعها صوت فيروز في الصباح، وأطعمة، وطقوس الأفراح والأتراح، لكنّ الثقافة المشتركة والهوية الجامعة تبقيان غائبتين.
والعودة بالزمن، تُظهِر لنا «عقدة البقاء»؛ إذ إن كل مجموعة مُكوِّنة لهذا المجتمع تمتلك «مظلة حماية» خارجية خاصة بها، امتدّت جذورها مئات السنين. ولم تكن هذه الحماية ترفاً سياسياً، بل غريزة وجودية نشأت من رحم الخوف.
الروم والسريان، الأقدم في هذا المشرق. كانت أنظارهما تتجه دائماً نحو بيزنطيا (بلاد الروم)، وروسيا لاحقاً. والموارنة الذين انتشروا في جبل لبنان هرباً من الاضطهاد، تبلور حضورهم الجيوسياسي مع الحملات الصليبية قبل نحو 900 عام، مع أن كنيستهم نشأت قبل ذلك بقرون، ثم ظهرت الحماية الفرنسية بعد أحداث 1860. أمّا الدروز الذين تبلورت عقيدتهم في نهايات العهد الفاطمي قبل ألف عام، فاستوطنوا هذه الجبال، وعانوا من سلطات نكّلت بهم، وكلّما استشعروا الخطر المحيط، بحثوا عن توازنات دولية تحميهم، وصولاً إلى الرعاية الإنكليزية في القرن التاسع عشر. بينما شكّل السُّنَّة الامتداد الطبيعي للسلطات المتعاقبة التي حكمت المنطقة، فكانوا حماة الولاة، مستمدّين نفوذهم وحمايتهم من السلطة المركزية، سواء أكانت مملوكية أم عثمانية.
وسط هذه المعادلة المُعقّدة، تبرز السردية الشيعية في لبنان بمسار مختلف ومُثقل بالمحطات القاسية. فالشيعة لم يأتوا من خارج هذه الجغرافيا، فالتشيّع انتشر مبكراً في جبل عامل، بين أبناء البلاد الأصليين الذين ينتمون إلى الجذور الكنعانية والعاملية (قبيلة عاملة اليمنية التي انتقلت إلى هذه المنطقة عقب انهيار سدّ مأرب عام 150 ق.م)، وذلك منذ وصول الإسلام إلى تلك الرقعة، والذي يُعزى تاريخياً إلى جهود الصحابي أبي ذر الغفاري، الذي بفضله ارتبطوا بآل بيت النبي.
انتشر مذهب التشيّع في هذه البلاد كالنار في الهشيم، وحظي الشيعة في فترات متقطّعة بحمايات من دول إسلامية شاركتهم المذهب، كالبويهيين والحَمدانيين والفاطميين. ومع تبدّل موازين القوى، بدأت سلسلة من الانهيارات. ومع الغزو الصليبي، تعرّضت الطائفة الشيعية لأول تحجيم دموي عبر إسقاط دولة «بني عمار» في طرابلس عام 1109، وولاية صور 1124. فاستُبيحت السواحل، وقُتل كثير، ولجأ الناجون إلى الجبال الوعرة، فمنهم من هادن نتيجة غياب حماية خارجية، ومنهم من قاوم كأهل مدينة جزين. بانحسار المدّ الصليبي، لم يأتِ الفرج.
وبينما حمت «ذمّة أهل الكتاب» الموارنة من الإبادة، فهي لم تشفع للشيعة، فتعرّضوا لشبه إبادة ثانية على أيدي المماليك، تجلّت أبشع صورها في حملات كسروان التي طُرِدوا منها، بعد مجازر مستمرة من عام 1292 إلى عام 1305. ورغم الانهيار، حمل جبل عامل الروح العلمية والجهادية، عندما تولّى الشيخ محمد بن مكي الجزيني (المعروف بالشهيد الأول) في منتصف القرن الرابع عشر نقل مركز الحوزة العلمية من الحلّة في العراق، إلى مدينة جزين التي صمدت في وجه العواصف، لتصبح عاصمة التشيّع، واستمرت هكذا أكثر من 400 عام.
عاش الشيعة خارج جبل عامل ما يزيد على قرن في حالة انكسار تام، حتى بزوغ فجر الدولة الصفوية في إيران مع بداية القرن السادس عشر، فاستعانت بعلماء جبل عامل لتأسيس حوزتها العلمية. هنا، وللمرة الأولى منذ زمن بعيد، حصل شيعة لبنان على ظهير قوي، واستقرّوا بدعم إيراني نحو 250 عاماً، تمتّعوا فيها بشبه حكم ذاتي وازدهار علمي واقتصادي، حتى أصبحت هذه الرقعة ملاذاً آمناً لكلّ الطوائف المضطهدة من السلطات العثمانية.
مثلما فعل الدروز والموارنة والسنّة، لجأ الشيعة في لبنان إلى إيران كمظلة حماية في وجه الإقصاء، لكنّ المشكلة تكمن في أن الجميع لا يزال بعيداً عن النقاش الجدّي لجعل لبنان بلداً لا تجمّع كيانات
أثمر هذا التكتل ما يربو على ثلاثين عاماً، بين عامي 1745 و1775م، من الاستقرار والازدهار الاقتصاديَّيْن، تنفّست في تلك المدة الزمنية المنطقة الصعداء وعاشت تجربة فريدة من التضامن الداخلي. غير أن الإمبراطوريات لا تتسامح مع النزعات الاستقلالية؛ فما إن استشعر الباب العالي في إسطنبول خطر هذا التحالف المتماسك، حتى تحرّكت الآلة العثمانية الباطشة، مكلِّفةً «أحمد باشا الجزار» بمهمة دموية واضحة: كسر شوكة هذا التحالف واجتثاثه من جذوره.
وكعادة صراعات النفوذ الكبرى، كان الثمن الأعظم من نصيب المُكوِّن الذي فقد سنده الخارجي؛ فدفع شيعة جبل عامل ضريبة الدم، واجتاحت الجيوش القرى والحواضر، لتُسجَّل في صفحات التاريخ مجازر مروّعة وحرب إبادة ثالثة أتت على البشر والحجر، وأُحرِقت المكتبات والمراكز العلمية. كانت تلك الضربة قاصمة بكل المقاييس، أدخلت الشيعة في نفق مُظلِم من التهميش والغياب، ولم تقم لهم قائمة فاعلة في المعادلة السياسية والاجتماعية إلا بعد أكثر من قرن.
تبلورت بعدها صورة لبنان الحديث بناءً على نظام الحمايات، وذلك في مطلع القرن التاسع عشر: فرنسا تحمي الموارنة، إنكلترا تحمي الدروز، السلطنة العثمانية ترعى السُّنَّة، روسيا تظلّل الروم الأرثوذكس. في تلك الحقبة، تُرِك الشيعة مُجدّداً بلا ظهير، ودفعوا ثمن هذا العراء الإستراتيجي.
استناداً إلى هذا السرد المنهجي والتاريخي، نصل إلى استنتاج فلسفي وواقعي: إن طلب «الحماية» في التركيبة اللبنانية صار مثل «قانون طبيعي» يفرضه الإقصاء. حتى بات من الصعب على أي طائفة في لبنان التخلّي عن حمايتها الخارجية، لأنها تدرك في لاوعيها التاريخي العميق أن ضعف حمايتها يعني بداية إقصائها أو إبادتها.
لذلك، من العبث محاكمة الحاضر بأدوات مثالية غير واقعية. إن الشيعة اليوم، حين يفتخرون بأن إيران مظلة حماية لهم، رغم قوّتهم الذاتية ووحدتهم وتحالفاتهم المتعدّدة، فهم يمارسون حقهم في البقاء، تماماً كما تعتمد الطائفة السنّية على العمق السعودي حالياً والعربي المشرقي سابقاً، وكما يرنو المسيحيون دائماً نحو الغرب لضمان وجودهم.
إن فكرة «الوطن» المُندمِج كلياً ما زالت مشروعاً مؤجّلاً في لبنان. نحن أمام كيان تشكّل من هواجس مجموعات تنتظر الفرصة لتستقوي على بعضها كلّما اختلّت موازين القوى. والتاريخ يشهد أن من يفتقد إلى الدرع الخارجي تبتلعه الجغرافيا، وأن الشيعة في المراحل التي امتلكوا فيها القوة، لم يسعوا لإقصاء غيرهم، بل كانوا دوماً سند المضطهدين.
لكلّ هذه الأسباب، يبقى السؤال: هل مِن مَخرج؟
لا يبدو الخروج من هذا الوضع يسيراً لكنه ليس مستحيلاً، فإدخال الطمأنينة إلى نفوس اللبنانيين يحتاج إلى إستراتيجية دفاعية مُقنِعة، لا بِرَميِ البلاد في مهبّ العلاقات الخارجية، كما وإلى بناء دولة مواطنة حقيقية يخرج اللبناني فيها من مرحلة ابن الطائفة إلى ابن الوطن، وهذا لا يمكن أن يحصل في ظل الاستقواءات الخارجية، بل يحتاج إلى نقاش فعلي وجِدّي يصل إلى نتيجة واقعية.